المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) - لجنة التأليف
61
أعلام الهداية
المواجهة الدموية هي أبعد ما يكون ، وعندها سقطت كلّ الخيارات ، ولم يبق أمام قريش إلّا أن تلجأ إلى عمل يضعف الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) ويجنّبها القتال ، فكان قرارهم حصار بني هاشم ومن معهم اجتماعيا واقتصاديا باعتبارهم الحماية التي تقي الرسول من بطش قريش ، فبدأت معركتها السلبية مع بني هاشم . وتجمّع المسلمون وبنو هاشم في شعب أبي طالب لتوفير سبل الحماية بصورة أفضل ، حيث يمكن إيجاد خطوط دفاعية لمواجهة أيّ محاولة هجومية قد تقوم بها قريش « 1 » . وللمزيد من الاحتياط والحرص على سلامة حياة الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) كان أبو طالب يطلب من ولده عليّ أن يبيت في مكان الرسول ليلا حرصا على سلامته من الاغتيال والمباغتة من قبل الأعداء من خارج الشعب « 2 » ، وكان عليّ ( عليه السّلام ) يسارع إلى الامتثال لأوامر والده ويضطجع في فراش النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) فاديا نفسه من أجل الرسالة وحاملها . ولم يكتف عليّ ( عليه السّلام ) بهذا القدر من المخاطرة بنفسه ، بل كان يخرج من الشعب إلى مكّة سرّا ليأتي بالطعام إلى المحاصرين « 3 » ، إذ اضطرّوا في بعض الأيام أن يقتاتوا على حشائش الأرض . لم يكن لأحد أن يقوم بمثل هذه الأعمال في تلك الفترة العصيبة إلّا من ملك جنانا ثابتا وقلبا شجاعا ووعيا رساليا وحبّا متفانيا للرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، ذلك هو عليّ ابن أبي طالب ( عليه السّلام ) الذي قضى في الشعب جزء من زهرة شبابه حيث دخله وعمره سبعة عشر عاما وخرج منه وعمره عشرون عاما ، فكانت تجربة جديدة في
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام : 1 / 350 ، وإعلام الورى : 1 / 125 . ( 2 ) البداية والنهاية لابن كثير : 3 / 84 . ( 3 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 13 / 256 .